الاخبار:: حسين إبراهيم الجمعة 30 تشرين اول 2026
الآن، بعد أن انتهت الانتخابات الإسرائيلية إلى ما انتهت إليه، لم يَعُد مهماً ممّن ستتشكّل الحكومة الجديدة، وكيف ستتشكّل، ووفق أيّ برنامج. المهمّ في الأمر أن نتيجتها عكست الانسداد الذي تعانيه إسرائيل كلّها في حروبها المستمرّة منذ ثلاث سنوات، والتي لا يبدو أن أحداً فيها يملك جواباً شافياً حول الطريق الواجب سلوكه للخروج منه. وإذ مثّل تصويت الناخبين، يهوداً وعرباً، صورة ذات دقّة عالية لهذا القلق، فإن الجواب على الأسئلة المؤرّقة للإسرائيليين لن يأتي من إسرائيل هذه المرّة، بل من الولايات المتحدة التي تشهد هي الأخرى، بعد أيام قليلة، انتخابات ستحدّد أيضاً كيف ستسير البلاد في المرحلة المقبلة، وذلك بمعزل عن معاندة الرئيس دونالد ترامب. والأخير، يوحي التصويت الإسرائيلي ذاته، فضلاً عن استطلاعات الرأي المتّصلة بالانتخابات الأميركية، أنه بدأ رحلة النزول إلى مكان لا يشبه ما كان يحلم أن يختم حياته السياسية به عندما تنتهي ولايته الثانية بعد عامَين، أباً روحياً لحركة سياسية نقلت أميركا من زمن إلى زمن. فالحروب التي بدأت منذ السابع من أكتوبر، صار اسمها اليوم حرب إيران وتوابعها، التي تقع في قلب الحملات الانتخابات الأميركية، ولا يتقدّمها أيّ شأن آخر.
الجواب الشافي ليس عند ترامب أيضاً؛ فالأخير نفسه يواجه، بعدما لم يفلح في تعويم حليفه الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو - وإن كان جنّبه خسارة أكبر عبر دعوة الإسرائيليين إلى التصويت له مباشرة -، احتمال خسارة الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس». والحال أن ترامب سيتأثّر سلباً بالتصويت الإسرائيلي؛ إذ ثمّة ارتباط بين مصيره ومصير نتنياهو، فات أوان فكّه بالنسبة إلى الأول. ولذا، دعا الرئيس الأميركي إلى التصويت لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وإلّا لما فعل. وحين سئل عمّا إن كان سيدفع في اتجاه تشكيل «حكومة وحدة وطنية» في إسرائيل، لم يعطِ جواباً واضحاً، كونه يعرف أنه قد لا يستطيع ذلك، حتى لو أراده. الجواب سيكون في صناديق الاقتراع الأميركية، التي ستعكس حتماً التغيير الذي أحدثته حرب إيران، وقَبلها حرب غزة، في المجتمع الأميركي. ففي الولايات المتحدة أيضاً، ثمّة عرب يحقّ لهم التصويت، وهم متحفّزون مثلهم مثل فلسطينيّي الداخل للتغيير. وإذا كان ترامب خدعهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عندما أوهمهم بأنه يريد إنهاء حرب غزة، فإذا به يتآمر مع نتنياهو على شنّ حرب أكبر وأخطر ضدّ إيران، فإنه لن يستطيع خداعهم مرّة أخرى، وهو سيجد أمامه بعد التصويت قائمة عربية أوسع، لن تقتصر على إلهان عمر ورشيدة طليب، بل ستضمّ أسماء جديدة من مثل عبدول السيد في ميشيغان - الذي يضاف إلى اسم رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني -. والواقع أن ترامب لم يخدع العرب وحدهم، وإنما خدع الأميركيين جميعاً، عندما نكث بوعده الانتخابي الرئيس بأنه لن يورّط البلاد في حروب خارجية طويلة، وأقدم على فعل العكس بالضبط، متّخذاً قراره شنّ الحرب على إيران، ومن أجل ماذا؟ من أجل نتنياهو وبعض عُتاة الصهاينة الأميركيين الذين سهّلوا له صفقات مالية لأولاده.
تبدو مشكلة نتنياهو أعمق بكثير ممّا تُظهِره الأرقام في إسرائيل
من يسمع الرئيس الأسبق، باراك أوباما، يسخر من ترامب خلال مهرجان انتخابي في ميتشيغان، قبل أيام، يدرك أن الموجة انقلبت، وأن ملامح التغيير الآتي لا يمكن إخفاؤها، إلى حدّ بدأ معه ترامب نفسه يتحضّر لسيطرة «الديمقراطيين» على مجلس النواب على الأقلّ، ويحاول التهوين من شأن التأثير المحتمل على رئاسته. فلطالما سخر الرئيس الحالي، في خطبه ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، من أوباما، بإصراره على تسميته «باراك حسين أوباما»، محاولاً بذلك تحقيره، فيما لم يكن يُسمع صوت الأخير باعتبار أن ترامب مثّل موجة صاعدة. لكن بعد الفشل في حرب إيران، وانفضاض الكثيرين عن الرئيس «الجمهوري» حتى داخل حزبه وتيّاره، صار لدى أوباما ما يردّ به؛ فسخر من الأول لإقامته قاعة رقص أكبر من البيت الأبيض نفسه، واهتمامه بتحويل مقرّ الرئاسة إلى مقرّ مُذهّب، مشبّهاً إياه بصدام حسين. كما اتّهمه بالسعي إلى إثراء أولاده بصفقات مشبوهة، يستغلّ فيها سلطاته لمصالح خاصة، آخذاً عليه أيضاً أنه ذهب برجليه إلى حرب غير ضرورية مع إيران، جعلت بنتيجتها الأخيرة أقوى ممّا كانت قبلها.
على أن اليمين نفسه في أميركا تَغيّر، وبات منقسماً بين موالين لإسرائيل ومعارضين لها، وهذا ما سينعكس في الانتخابات النصفية التي ستفرز أعضاء معارضين لها في الكونغرس من «الجمهوريين» أيضاً. ولعلّ تلك ستكون هي المعركة الأساسية؛ فإذا أفرزت الانتخابات مجلسَين بغالبية أقلّ ولاءً لإسرائيل، بغضّ النظر عن عدد «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» فيهما، فسيكون ما تبقّى من رئاسة ترامب صعباً، وسيُفتح الباب على توجيه ضربة كبيرة إلى مشروعه في نهاية الولاية.
بناءً على كلّ ذلك، تبدو مشكلة نتنياهو أعمق بكثير ممّا تُظهِره الأرقام في إسرائيل. فالكراهية له خارجها، وفي أميركا تحديداً، أكبر بأشواط ممّا هي داخلها، فيما يتمّ تحميله مسؤولية ما وصل إليه العالم من أزمات اقتصادية وغلاء معيشة. وإذ يغلي العالم الغربي اليوم، وخاصة أوروبا، وفرنسا بالتحديد، بالتظاهرات التي تطالب بتغيير التركيبة القائمة، والمتمحورة كلّها حول الانصياع لمشيئة صهاينة العالم، فإن التغيير المطلوب من جانب شعوب القارّة يبدو أكبر من مجرّد تعديل محدود في السياسات الاجتماعية التي يختلف عليها اليمين واليسار التقليديان. فترامب مثلاً، لم يميّز في حروبه التجارية بين حليف وخصم، بل جعل الجميع خصوماً. ولذا، يريد الأوروبيون الثأر منه لما أوصلهم إليه بحروبه التجارية والعسكرية التي تعب منها الناس في أنحاء العالم.